الجصاص

35

أحكام القرآن

وإن افترقوا في غيره فليس منهم في شئ لأنه بريء من جميعه . قوله تعالى : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) الحسنة اسم للأعلى في الحسن ، لأن " الهاء " دخلت للمبالغة فتدخل الفروض والنوافل ، ولا يدخل المباح وإن كان حسنا ، لأن المباح لا يستحق عليه حمد ولا ثواب ، ولذلك رغب الله في الحسنة وكانت طاعة ، وكذلك الإحسان يستحق عليه الحمد . فأما الحسن فإنه يدخل فيه المباح ، لأن كل مباح حسن ، ولكنه ثواب فيه ، فإذا دخلت عليه الهاء صارت اسما لا على الحسن وهي الطاعات . قوله تعالى : ( فله عشر أمثالها ) معناه : في النعيم واللذة ، ولم يرد به أمثالها في عظم المنزلة ، وذلك لأن منزلة التعظيم لا يجوز أن يبلغها إلا بالطاعة ، وهذه المضاعفة إنما هي بفضل الله غير مستحق عليها كما قال تعالى : ( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) [ فاطر : 30 ] ، وغير جائز أن تساوي منزلة التفضيل منزلة الثواب في التعظيم ، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يبتدئهم بها في الجنة من غير عمل ، ولجاز أن يساوي بين المنعم بأعظم النعم وبين من لم ينعم . قول تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ) . قوله : ( دينا قيما ) يعني مستقيما ، ووصفه بأنه ملة إبراهيم ، والحنيف المخلص لعبادة الله تعالى ، يروى ذلك عن الحسن . وقيل : أصله الميل ، من قولهم : رجل أحنف إذا كان مائل القدم بإقبال كل واحدة منهما على الأخرى خلقة لا من عارض ، فسمى المائل إلى الاسلام حنيفا لأنه لا رجوع معه . وقيل : أصله الاستقامة ، وإنما جاء أحنف للمائل القدم على التفاؤل كما قيل للديغ سليم ، وفي ذلك دليل على أن ما لم ينسخ من ملة إبراهيم عليه السلام فقد صارت شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم لإخباره بأن دينه ملة إبراهيم . قوله تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) . قال سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي : " نسكي : ديني في الحج والعمرة " . وقال الحسن : " نسكي : ديني " . وقال غيرهم : " عبادتي " . إلا أن الأغلب عليه هو الذبح الذي يتقرب به إلى الله تعالى ، وقولهم : فلان ناسك ، معناه عابد لله . وقد روى عبد الله بن أبي رافع عن علي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " إلى قوله : " من المسلمين " . وروى أبو سعيد الخدري وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة ورفع يديه وقال : " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " والأول كان يقوله عندنا قبل أن ينزل : ( وسبح بحمد ربك حين